ابن قيم الجوزية
681
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
ويقال : إن أصعب الأحوال المنقطعة : انقطاع الأنفاس . فإن أربابها إذا صعد النفس الواحد صعّدوه إلى نحو محبوبهم ، صاعدا إليه ، متلبسا بمحبته والشوق إليه . فإذا أرادوا دفعه لم يدفعوه حتى يتبعوه نفسا آخر مثله . فكل أنفاسهم باللّه . وإلى اللّه ، متلبسة بمحبته ، والشوق إليه والأنس به . فلا يفوتهم نفس من أنفاسهم مع اللّه إلا إذا غلبهم النوم . وكثير منهم يرى في نومه : أنه كذلك ، لالتباس روحه وقلبه . فيحفظ عليه أوقات نومه ويقظته . ولا تستنكر هذه الحال . فإن المحبة إذا غلبت على القلب وملكته : أوجبت له ذلك لا محالة . والمقصود : أن الواردات سريعة الزوال . تمر أسرع من السحاب ، وينقضي الوقت بما فيه . فلا يعود عليك منه إلا أثره ، وحكمه . فاختر لنفسك ما يعود عليك من وقتك . فإنه عائد عليك لا محالة . لهذا يقال للسعداء كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ ( 24 ) [ الحاقّة : 24 ] ويقال للأشقياء ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ ( 75 ) [ غافر : 75 ] . قال « الدرجة الثالثة : غيرة العارف على عين غطّاها غين . وسرّ غشيه رين ونفس علق برجاء ، أو التفت إلى عطاء » . أي يغار على بصيرة غطاها ستر أو حجاب . فإن « الغين » بمنزلة الغطاء والحجاب . وهو غطاء رقيق جدا . وفوقه « الغيم » وهو لعموم المؤمنين . وفوقه « الرين . والران » وهو للكفار . وقوله « وسر غشيه رين » أي حجاب أغلظ من الغيم الأول . و « السر » هاهنا ؛ إما اللطفية المدركة من الروح ، وإما الحال التي بين العبد وبين اللّه عز وجل . فإذا غشيه رين النفس والطبيعة استغاث صاحبه ، كما يستغيث المعذب في عذابه ، غيرة على سره من ذلك الرين . وقوله « ونفس علق برجاء ، والتفت إلى عطاء » . يعني : أن صاحب النفس يغار على نفسه إذا تعلق برجاء من ثواب منفصل ، ولم يتعلق بإرادة اللّه ومحبته . فإن بين النفسين كما بين متعلقهما . وكذلك قوله : « أو التفت إلى عطاء » يعني : أنه يلتفت إلى عطاء من دون اللّه فيرضى به . ولا ينبغي أن يتعلق إلا باللّه ، ولا يلتفت إلا إلى المعطي الغني الحميد . وهو اللّه وحده . واللّه أعلم . منزلة الشوق ومن منازل « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » منزلة « الشوق » . قال اللّه تعالى : مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ [ العنكبوت : 5 ] . قيل : هذا تعزية للمشتاقين ، وتسلية لهم . أي أنا أعلم أن من كان يرجو لقائي فهو مشتاق إليّ . فقد أجّلت له أجلا يكون عن قريب . فإنه آت لا محالة . وكل آت قريب . وفيه لطيفة أخرى . وهي تعليل المشتاقين برجاء اللقاء : لولا التعلل بالرجاء لقطّعت * نفس المحب صبابة وتشوقا ولقد يكاد يذوب منه قلبه * مما يقاسي حسرة وتحرقا